محمد الغزالي
30
فقه السيرة ( الغزالي )
تبديد هذه الريب ، وتذليل هذه العوائق ، فهو على ما دونها أقدر . والأسئلة التي توجّه للنبي صلى اللّه عليه وسلم ، أو التي ينتظر أن توجّه إليه في مختلف العقائد والأحكام ؛ وجدت إجابتها الشافية في القران ، باعتبار أن السؤال لا يمثل حاجة صاحبه واحدها ، بل حاجات الناس على مر الأيام . وفي هذا الجوّ الملئ بالتساؤل استفهاما أو استنكارا ؛ كان الإلهام يلاحقّ الرسول صلى اللّه عليه وسلم : قل كذا ، قل كذا . وما أكثر الآيات التي صدرت بهذا الأمر إجابة لسؤال ورد أو سؤال مفترض . وأنت تحسّ - إذ تقرأ هذه الأجوبة المستفيضة - فيضا من اليقين ينساب إلى قلبك ، كأنها حسمت وساوس عرضت لك أو في الإمكان أن تعرض ، والرسالة الخالدة هي التي تصلها بضمائر الناس هذه الأواصر المتينة . إنّ القران رسول حي ، تسائله فيجاوبك ، وتستمع إليه فيقنعك . انظر : كيف يؤسس عقيدة البعث والجزاء ، وينوّه بشمول الإرادة والقدرة في ثنايا إجابة على سؤال موجّه ، وكيف صيغت المعاني في أخذ وردّ ، واعتراض ودفع ، كأنها حوار سيّال ، يتعدّى أصحابه حتى يجمع الناس إلى اخر الدهر : أَ وَلَمْ يَرَ الْإِنْسانُ أَنَّا خَلَقْناهُ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ ( 77 ) وَضَرَبَ لَنا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظامَ وَهِيَ رَمِيمٌ ( 78 ) قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَها أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ ( 79 ) الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ ناراً فَإِذا أَنْتُمْ مِنْهُ تُوقِدُونَ ( 80 ) أَ وَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بِقادِرٍ عَلى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ بَلى وَهُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ ( 81 ) إِنَّما أَمْرُهُ إِذا أَرادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ ( 82 ) فَسُبْحانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ( 83 ) [ يس ] . إنّ هذا مثل للاستدلال القائم على النّظر الصائب ، لا يختص به زمان دون زمان ، ولامكان دون مكان ، فهو خطاب للعقل العام في البشر أجمعين ، وهو بيان لحكمة نزول القران منجّما إذ جاءت الآيات للرسول صلى اللّه عليه وسلم : قل كذا ، ردّا على ما عرض له من أسئلة في أثناء تطوافه هنا وهناك يدعو إلى اللّه ، ثم ثبت السؤال والجواب ليكون منهما علم ينفع الناس اخر الدهر .